ابن أبي الحديد
42
شرح نهج البلاغة
وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن ، وبها سعيد ( 1 ) بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله ، وقد كان علي عليه السلام ولاه المدائن فأقره الحسن عليه السلام عليها ، فأقام عنده يعالج نفسه . فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل قرية يقال لها الحلوبية ( 2 ) بمسكن ، وأقبل عبيد الله بن عباس حتى نزل بإزائه ، فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم ، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس أن الحسن قد راسلني في الصلح ، وهو مسلم الامر إلى ، فإن دخلت في طاعتي الان كنت متبوعا ، وإلا دخلت وأنت تابع ، ولك إن أجبتني الان أن أعطيك ألف ألف درهم ، أعجل لك في هذا الوقت نصفها ، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر ، فانسل عبيد الله إليه ليلا ، فدخل عسكر معاوية ، فوفى له بما وعده ، وأصبح الناس ينتظرون عبيد الله أن يخرج فيصلى بهم ، فلم يخرج حتى أصبحوا ، فطلبوه فلم يجدوه ، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ، ثم خطبهم فثبتهم ( 3 ) ، وذكر عبيد الله فنال منه ، ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو ، فأجابوه بالطاعة وقالوا له : انهض بنا إلى عدونا على اسم الله ، فنزل فنهض بهم . وخرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق : ويحكم ! هذا أميركم عندنا قد بايع وإمامكم الحسن قد صالح ، فعلام تقتلون أنفسكم !
--> ( 1 ) مقاتل الطالبيين : " سعد " . ( 2 ) ب : " الحيوضة " . ( 3 ) في مقاتل الطالبيين : " أيها الناس ، لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع " أي الجبان " . إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط ، إن أباه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يقاتل ببدر ، فأسره أبو الميسر كعب بن عمرو الأنصاري ، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين ، وإن أخاه ولاه علي أمير المؤمنين على البصرة ، فسرق مال الله ومال المسلمين ، فاشترى به الجواري ، وزعم أن ذلك له حلال ، وأن هذا ولاه علي اليمن . فهرب من بسر ابن أرطاة ، وترك ولده حتى قتلوا ، وصنع الآن هذا الذي صنع . قال : فتنادى الناس : الحمد لله الذي أخرجه من بيننا ، فانهض بنا إلى عدونا ، فنهض بهم " .